ابن رشد

159

تهافت التهافت

أن هذه الموجودات لها علة ولكن لعل لها علة ولعلة العلة علة وهكذا إلى غير نهاية . وقولهم أنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها لا يستقيم منهم فإنا نقول عرفتم ذلك ضرورة بغير وسط أو عرفتموه بوسط ولا سبيل إلى دعوى الضرورة وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز دورات لا أول لها وإذا جاز أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له فلم يبعد أن يكون بعضها علة لبعض وينتهي من الطرف الأخير إلى معلول لا معلول له ولا ينتهي من الجانب الآخر إلى علة لا علة لها كما أن الزمان السابق له آخر وهو الآن الراهن ولا أول له ، فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معا في الحال ولا في بعض الأحوال والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي فيلزمكم في النفوس البشرية المفارقة للأبدان فإنها لا تغني عندكم ، والموجود المفارق للبدن من النفوس لا نهاية لأعدادها إذ لم تزل نطفة من إنسان وإنسان من نطفة إلى غير نهاية ، ثم كل إنسان مات فقد بقيت نفسه وهو بالعدد غير نفس من مات قبله ومعه وبعده وإن كان الكل بالنوع واحدا فعندكم في الوجود في كل حال نفوس لا نهاية لأعدادها . فإن قيل النفوس ليس لبعضها ارتباط بالبعض ولا ترتيب لها بالطبع ، ولا بالوضع ، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها إذا كان لها ترتيب بالوضع كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق البعض أو كان لها ترتيب بالطبع كالعلل والمعلولات وأما النفوس فليست كذلك . قلنا وهذا الحكم في الوضع ليس طرده بأولى من عكسه فلم أحلتم أحد القسمين دون الآخر ؟ وما البرهان المفرق ؟ ولم تنكرون على من يقول : إن هذه النفوس التي لا نهاية لها . وإذا قدرنا وجود نفس واحدة في كل يوم وليلة ، كان الحاصل في الوجود الآن خارجا عن النهاية ، واقعا على ترتيب في الوجود . أي بعضها بعد بعض . والعلة غايتها أن يقال : إنها قبل المعلول بالطبع ، كما يقال : إنها فوق المعلول بالذات ، لا بالمكان . فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني ، فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبيعي . وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية ، وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض . وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له . قلت : قوله : ولكن لعل لها علة ، ولعلة العلة علة ، وهكذا إلى غير نهاية . إلى قوله : وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم ، بتجويز دورات لا أول لها . شك قد تقدم الجواب فيه ، حين قلنا : إن الفلاسفة لا يجوزون عللا ومعلولات لا نهاية لها ، لأنه يؤدي إلى معلول لا علة علة ، ويوجبونها بالعرض من قبل علة قديمة ، ولكن لا إذا كانت مستقيمة ، ومعا ، ولا في مواد لا نهاية لها ، لا إذا كانت دورا . وأما ما يحكيه عن ابن سينا أنه يجوز نفوسا لا نهاية لها ، وأن ذلك إنما يمتنع فيما له وضع ، فكلام غير صحيح ، ولا يقول به أحد من الفلاسفة .